التربية الذاتية : من أنا ؟

التربية الذاتية من أنت؟ ماغايتك في الحياة؟ إن أول أمر ينبغي التفكير فيه هو معرفة الإنسان نفسه، فكثير منّا لا يعرف من هو، فلو عرف الإنسان منّا نفسه حق المعرفة لسار موافقاً لهذه الطبيعة البشرية وهنا ينبغي لنا أن نجيب عن هذا السؤال: من أنا؟ 
التربية الذاتية : من أنا ؟
التربية الذاتية : من أنا ؟
  

قد تختلف الإجابة عن هذا السؤال، بحسب نشأة كل فرد وبيئته وثقافته، ولكن هذا الاختلاف يبقى في تصور الفرد عن ذاته الخاصة المتأثرة بعوامل النشأة. فصورة المرء الذهنية عن نفسه، هي الموجه له في الحياة، وهي صانعة قراراته، ومنشئة السلوك. 

معنى التربية: تدور كلمة التربية حول التنشئة ماديّاً وعقليّاً وروحيّاً، وقد وردت كلمة التربية في اللغة بمعنى: الرعاية، والزيادة، والإصلاح، والنشأة، والنماء، والكمال؛ فالكلمة تدل على الإصلاح، والجمع. وقد تستعمل مجازاً بمعنى التهذيب، وعلوّ الهمة. 

معنى الذات:

 ذات الشيء: نفسه وعينه، والفرق بين الذات والشخص أن الذات أعم من الشخص؛ لأن الذات تطلق على الجسم وغيره، والشخص لا يطلق إلا على الجسم. والذاتي لكل شيء: ما يخصه ويميزه عن جميع ما عداه. 

التربية الذاتية:

 قيام الإنسان على نفسه بنفسه بسياستها بما يصلحها في جميع جوانبها: الروحية، والبدنية، والعقلية، والنفسية، والعاطفية. وذلك بوضع أهداف الإنسان في حياته، ويرسم الخطط للوصول إلى تلك الأهداف بتدرج وصعود يواكب فيه وقته، وسنه، ومجتمعه. 

تهدف إلى قيام المرء بالاعتماد على نفسه وطاقاته وجهده الذاتي في تحصيل التربية والتعلم. وذلك لأن المرء لا بدّ أن يكون له أثر في الحياة، وهذا الأثر أول ما يبدأ مع الإنسان نفسه، بتربيتها، وإصلاحها، فهو لا ينتظر أن يقوم الآخرون بتربيته، وإصلاح نفسه 

وإن كنا نرى أن على المجتمع أن يقوم على إصلاح أفراده ورعايتهم وتربيتهم؛ ولكن هذا لا يخلي الإنسان عن تربية نفسه بنفسه، حتى لو فسد المجتمع؛ 

ولعل في ما روى حُذَيْفَةُ  عن النبي  قوله:

 “لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا”  

ففيه إشارة إلى أن المرء يأخذ بإصلاح نفسه بنفسه، وذلك باتباع الحق والصلاح؛ لذات الحق والصلاح، لا لأنه من فلان أو فلان، فإذا ضلّ من حوله عن الحق والصلاح لم يتبعهم، فإهمال النفس بتركها في أيدي الآخرين يتصرفون فيها من غير إدراك أمر مذموم. 

إن اعتماد الإنسان على غيره يجعله مسلوب الفاعلية، ويعتمد على الآخرين في الحصول على ما يريد، ويحملهم مسؤولية فشله، وهو يقيم معتقدات خاطئة مثل:

  • أنت سبب فشلي 
  • أنت الملام فيما يحدث لي 
  • أنت المسؤول عن النتائج 
  • أنت لم ترشدني
  • أنت لم تعتن بي  

والإنسان الذي يعتمد على غيره جسمياً، كأن يكون مشلولاً أو معوقاً أو عديم المكانة، يحتاج إلى الآخرين لمساعدته. وإذا كان يعتمد عليهم عاطفياً فإنه يستمد إحساسه بقيمة نفسه واستقراره النفسي من آراء الآخرين فيه، 

فإن لم المحبة والمدح ينقلب مخرباً أو حزيناً بائساً. وإذا كان يعتمد على الآخرين عقلياً فإنه يحتاج إلى من يفكر له ويعطيه آراءه في شؤون حياته ومشكلاته. 

إن الإنسان المعتمد على غيره إنسان حرم ((الوعي بالذات)) وهذا الوعي قدرة خاصة تميز الإنسان عن الحيوان، وتمكنه من رؤية ما يفعل. 

إن وعي الإنسان بذاته هو أهم منطلقات الفاعلية فيه؛ لأنه يساعده على رؤية نفسه ورؤية الآخرين، ويساعده على تقييم خبراته وخبرات الآخرين وأفعاله وأفعال الآخرين. وبسبب هذه القدرة يستطيع أن يغير عاداته القديمة، وأن يطوّر بدلاً عنها عادات جديدة. 

إن الاعتماد في بناء النفس يقوم على:

 (أنا المسؤول)، أي أنه هو المسؤول عن تربية نفسه. يتحمل المسؤولية ويواجه التحديات، فتقوم تصوراته، ومنطلقاته على:

  • أنا أعتمد على نفسي 
  • أنا أستطيع أن أختار 
  • أنا المسؤول عن الفشل 
  • أنا المسؤول عن معالجة الأمر  

إن اعتماد الإنسان على ذاته يؤدي إلى فاعلية الأداء والإنجاز، وهذا يعتمد على ثلاثة محاور: 

  1. القدرة على أخذ زمام المبادرة. 
  2. القدرة على التحديد العقلي للهدف وتطبيقاته. 
  3. إتقان ترتيب الأولويات في برنامج العمل.  

فصاحب القدرة على أخذ زمام المبادرة يتصف بصفتين: 

الأولى: أنه حقق درجة عالية من النضج العقلي الذي يمكنه من الوعي بالذات، ورؤية الأفعال الذاتية وتحليلها وتقديمها وتحديد درجة الصعوبة والخطأ فيها.  

الثانية: أنه حقق درجة عالية من النضج العاطفي؛ وبذلك تحررت إرادته من الأهواء والانفعالات، وصار قادراً على اختيار بدائل السلوك المناسب للموقف، وتحديد الأعمال والميادين التي يركز فيها طاقاته وأوقاته.  

إن القدرة على التحديد العقلي للهدف وتطبيقاته يتم من خلال: 

  • تصور واضح لما يرد أن ينتهي إليه؛ وليكون هذا التصور معياراً. 
  • حسن اختيار الطريقة والأدوات، والتنظيم السليم. 
  • وضع برنامج عمل واضح.  

مؤهلات التربية الذاتية: 

  1. العقل: الذي هو مناط التكليف، ومحط الخطاب، وبه كُرِّم الإنسان مُيَّز عن غيره من المخلوقات. 
  2. التمييز: الذي به يفرق الإنسان بين الأمور، فيستطيع أن يميز بين الخير والشر، والصلاح والفساد، والهدى الضلال، والرشد والغي 
  3. الإرادة: التي بها يختار الإنسان ما يشاء. 
  4.  القدرة: التي بها يحقق ما يختار ويريد. فبالعقل بعرف، ويعلم، وبخطط، ويرسم، وبالتمييز يفرق، ويصنف، وبالإرادة يختار، ويحدد، وبالقدرة ينفذ، ويعمل، وينتج.  

جوانب التربية الذاتية: 

  1. الروح: الجانب الإيماني، والعبادي، وعلاقته بمن حوله (أحياء ونباتات وجمادات) 
  2. العقل: الفكر، العلم، الإبداع. 
  3. الجسم: المحافظة على الصحة، القوة، النشاط. 
  4. السلوك: الأخلاق والآداب.  

الوسائل المساعدة في التربية الذاتية:

  •  العلم. 
  •  الهمة العالية. 
  •  التربية الجادة. 
  •  التخطيط السليم. 5- الصحبة الصالحة. 
  •  الإقبال على الله: الإخلاص، والإكثار من النوافل، والدعاء . 
  •  التكيف مع التغيير. 
  •  المثابرة.  

عوائق التربية الذاتية:

  • طبيعة النفوس المخملية. 
  • استطالة الطريق. 
  • التقليد الأعمى. 
  • التخبط في ترتيب الأولويات. 
  • التسويف. •عدم الثقة بالنفس. 
  • التأثر السلبي بنجاح الآخرين.  

 بقلم: عبدالعزيز الخثلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ماهية السياسة : ببساطة

تأملات في التواصل بين الناس