القيم الأخلاقية في ظل مواقع التواصل

يقول الإمام الغزالي-رحمه الله- كلامًا جميلًا حول كيف يهذّب الإسلام طباع معتنقيه، ويحسّن أخلاقياتهم بما يضمن حفظ الحقوق وأداء الواجبات، وهذا نص ما قاله في كتابه خلق المسلم: “ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻳﺮﻗﺐ ﻣﻦ ﻣﻌﺘﻨﻘﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﺍ ﺿﻤﻴﺮ ﻳﻘﻆ٬ ﺗُﺼﺎﻥ ﺑﻪ ﺣﻘﻮﻕ ﷲ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﺗﺤﺮﺱ ﺑﻪ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﻣﻦ ﺩﻭﺍﻋﻰ ﺍﻟﺘﻔﺮﻳﻂ ﻭﺍﻹﻫﻤﺎﻝ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺃﻭﺟﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻣﻴﻨًا، ﻭﺍﻷﻣﺎﻧﺔ ﻓﻰ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﺍﻟﺪﻻﻟﺔ، ﻭهي ﺗﺮﻣﺰ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺎﻥ ﺷﺘﻰ، ﻣﻨﺎﻃﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﺷﻌﻮﺭ ﺍﻟﻤﺮء ﺑﺘﺒﻌﺘﻪ ﻓﻰ ﻛﻞ ﺃﻣﺮ ﻳُﻮﻛﻞ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﺇﺩﺭﺍﻛﻪ ﺍﻟﺠﺎﺯﻡ ﺑﺄﻧﻪ ﻣﺴؤﻮﻝ ﻋﻨﻪ ﺃﻣﺎﻡ ﺭﺑﻪ”

وبإسقاط هذا الكلام على واقع اليوم تدرك أن كل أمر يوكل إليك أو يستودع عندك أمانة، ومن ذلك الأسرار وأرقام الهواتف والصور، لا يجوز لك–بأي حال- تبادلها أو التصرف فيها أو إعطاءها لآخر دون إذن صاحبها بحكم أنها من حقوق الناس المستودعة عندك.

إقرأ للكاتبة أيضاً القيم الأسريّة في ظل مواقع التواصل

ويتسع مفهوم الأمانة ليشمل حفظ الجوارح كلها عما حرّم الله؛ بصرك، وسمعك ولسانك ويدك. فالبعض يظن أن غض البصر مثلًا مقتصر على ما يرى أمامه في واقعه، ولكن المعنى أعم وهو في أبسط مفهوم أن تصون نظرك عن النظر إلى ما حرّم الله سواءً كان حاضرًا أمامك، أو بعيدًا عنك تقربه إليك الشاشات. وضع نصب عينيك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن حيدة رضي الله عنه:

“فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ”.

وما انتشر في بلاد المسلمين اليوم من فواحش ولا أُنتهك من أعراض إلا بعد أن تمكنت هذه الوسائل المرئية من بيوتهم ونفوسهم، وتغلغلت في واقعهم حتى استهانوا بحرمات الله، وانتهكوها، وتأمل كيف قرن الخبير بعباده بين غض البصر وحفظ الفرج في سورة النور

(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).

ثم أليس لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، الذي بلغ من كمال أدبه وعظيم خلقه أن حفظ بصره عن فضول النظر في رحلته إلى السماء، فوصفه الله بأن قال:

 مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (النجم 17)

ومن حفظ الجوارح أن تحفظ يدك عن مشاركة ونشر الباطل أو الدعوة إليه، أو التساهل في إعادة النشر أو وضع علامة الإعجاب لما يتم نشره، دون مراعاة لمشروعية ما نُشر. ولذا وجب التنبيه لأن يراعي المرء وينتبه لسلوكياته في تفاعله مع ما ينشره الناس، ففي ذلك مسؤولية أمام الله عن أي تعليق أو ضغطة إعجاب تمنحها لمنشور أو صورة في محتواها ما نهى الله عنه، لما في ذلك من تشجيع على الفساد، وإعانة على الباطل.

وأن تحفظ لسانك فيما تقوله أو تكتبه، فمهما كان الاسم أو المعرّف الذي تسجل به في مواقع التواصل، يحجبك عن الناس ويخفي وهويتك، إلا ان الله مُطلع عليك في كل حالاتك؛ لا يخفى عليه شيء من أمرك. وهذه طباعك وردود فعلك لا بد أن تنعكس في خلقك وتربيتك.

وإن من يتصفح المناقشات التي تتم في مواقع التواصل اليوم – تحت طائل الخلاف السياسي أو الطائفي أو الاجتماعي- يرى عجبًا، من أبناء المسلمين بين السب والقذف والشتم، وكأن هؤلاء لم يسمعوا قط عن ذم الفحش والبذاءة في السنّة النبوية، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء.
وإنّك لا تُعذر بوقاحة الآخر معك لتتقمص دوره وتحذو حذوه. كيف وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه؛ يقول الله عز وجل :

 ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108.

فالمسألة ليست انتصارًا للنفس، ولا تماديًا في العدوان والاعتداء، وإنما هي أخلاقيات وسلوكيات وأدب.

ثم إن كثيرًا من هذه المناقشات ليست إلا جدال محض، عقيم لا طائل منه ولا فائدة، فلا يحق حقًا ولا يميت باطلًا! ولذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

أنا زعيم ببيت في ربَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا…

( حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح)

 والمراء هو الجدال الذي لا جدوى منه، إذا كان لا يوصل إلى نتيجة، لأن المجادل يريد ممن يقابله أن يأخذ برأيه على أي وجه كان دون أن ينتفع هو بالجدال، ولا يستمع لما يقال ولا يتفكر فيه؛ وكل قضيته أن يفرض وجهة نظره ويقنع بها الآخر دون تجرد للحق ولا قبول للدلائل!

ومن حفظ اللسان البعد عن الغيبة ومواطنها والخوض في أعراض الناس في المواقع الافتراضية ولا سيما قروبات الواتس أب.

كانت المحادثات فيما مضى مقتصرة على اللقاء والمجالس لسويعات وتنقضي، أما اليوم أصبحت مثل هذه القروبات مجالس متاحة على الدوام؛ طوال ساعات اليوم الأربع وعشرين. ولا يخفى على أحد ما يُتداول فيها من معلومات مغلوطة يتم نشرها، بل تصل إلى نشر الأحاديث الموضوعة دون تثبت من صحتها، ناهيك عن الغيبة والخوض في أعراض الناس وإلقاء التُّهم على الناس جزافًا، وما أحدثته في البيوت من شقاق وخلاف.

ومن جُملة ما أردتُ أن أنبّه له التصوير المبالغ فيه لكل عمل تقوم به، كان خوف السلف من النفاق والرياء عظيمًا وقد بلغ عن سفيان الثوري-رحمه الله- أنه قال :ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تنقلب علي.
فكيف لا يخشى اليوم أحدنا على نفسه من تقلّب نيته عليه وهاتفه بيده، تنهال عليه تعليقات المدح والإعجاب، والنفس بطبعها تتوق لجذب الانتباه ونيل الاهتمام، لذا كان من الأولى أن يحافظ المرء على نيته من أن يداخلها شيء من حب شهرة أو رياء، فيتجنب تصوير كل عمل خير يفعله، ولا ينساق خلف موجة التصوير مما لا يغني معرفة الناس لها شيئًا. وفي أيامنا هذه نرى مبالغة في التصوير فمن تصدّق صوّر ومن مسح على رأس يتيم ، أو اعتمر أعلن ونشر، ومن باشر بعمل خير صوّر. لا نقول ما قاله البعض أننا نسد أبواب الخير بين الناس ونطمس آثاره، ولكن يا رعاكم اجعلوا لكم خبايا عند الله وتذكروا

“إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ”

 رواه مسلم.

بقلم: بلقيس الكثيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بين عمق التأثر والأسى وترك العمل!

‏ المؤامرة وعلاقتها بأخبار الساعة ( 1 )