معايير البصيرة الشرعية

صح في الحديث ( تملىء الأرض ظلما وجورا فيُخرج الله رجلا من عترتي يملأها قسطا وعدلا ) والمعيار هنا لبصيرتك حين ترى الأرض في وضعها الطبيعي وأن ما يحصل فيها من ظلم هو ظلم جزئي ينحصر في فئة أو طبقة معيّنة .

وحين ترى هذا فهذا يعني أن عين البصيرة منطفئة لا ترى بنور الله تعالى .. وجعل لنا الوحي معيارا آخر للقرب من الساعة ففي الحديث الصحيح ( إن من علامات الساعة كثرة الزنا وفشو الربا ) وهنا يسوقك الوحي للهدى وتجلية البصيرة في معيار مهم وهو مدى قرب الناس من الكبائر وبعدهم عنها وظهورها .

فإذا تعايشت مع الواقع بقلب ينطف لينا وبرودة فهذا مؤشر انكماش البصيرة الشرعية الذي يدق ناقوس الخطر إذا انتشر وباء المعاصي وظهر ظهورا عاما وهذا ما هو حاصل اليوم ولذلك جاءت أحاديث الغربة في آخر الزمان لترى مقياس إيمانك ولا يحس بالغربة إلا من فيه يقظة ضمير وإيمان متقد .

ومن معايير البصيرة صلابة الولاء والبراء والفقه فيه – وأنا أتعمد قرن الفقه في الولاء والبراء – لإخراج الغلاة في التكفير والغلاة في التبديع الذين دمروا خامة الصفوة الطيبة في العقود الأخيرة .. فالولاء والبراء يتجزأ ويزيد وينقص بحسب حال الطرف الآخر .

( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) أي إن لم توالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين كانت فتنة عظيمة وفساد كبير على الناس وهذا ما نشاهده اليوم فتنة مظلمة حيت فيها الأجساد وماتت فيها القلوب وفساد في المفاهيم والمعايير والأذواق والعقول وكل هذا راجع لفساد الدين بخلل البصيرة لما والوا الظالمين من الحكام الجائرين والمبدلين لشرع الله تعالى بدعوى الأمن والأمان والمصلحة العامة فصارت الفتنة والفساد ولم يعادوا الكافرين فصارت البصيرة الشرعية مشدوخة الإسطوانة لا تسمع لحنها ولا تسير مسارها .

وما انعدمت تلك البصيرة تجاه الظلمة سواء كانوا حكاما أو محكومين إلا لمآرب الدنيا الفاسدة فسلب الله نور البصيرة من القلب ولذلك قال بعض السلف ( إن الزاهد لينظر بنور الله ) .

وتأمل قول إبراهيم لما قال لأبيه وقومه ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) والرؤية هنا رؤية علمية ومن صفاء هذه الرؤية التي منحها الله لإبراهيم كانت ( وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) فجازاه الله على رؤية البصيرة برؤية البصر حتى إنه ليرى العرش وهو على الأرض كما عن ابن عباس .

فالبصيرة الشرعية هي ميزان الله في الأرض وهو أن ترى الحق والباطل كما هو عليه والخلل في هذا الأمر هو أخوف ما خافه نبينا ( أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) ودور هؤلاء الأئمة هي طمس البصائر لا طمس المعالم .

فحين نشاهد اليوم ( طالبان ) وخضوع الأمريكان لها بتسوية تتكافؤ فيها الأطراف في يوم يفرح فيها المسلم الأفغاني قبل غيره تنتفخ أوداج من في قلبه مرض من الغلاة ويضجر مما فعلوا بحجة الولاء والبراء ولو فقه الولاء والبراء لعلم حجم مصيبته عند ربه إذا لقاه ,وحين تطحن طائرات الأتراك معاقل النظام النصيري الفاجر مع أوليائه الروس والإيرانيين تجد معفون السريرة يقف مع الثاني بحجة صوفية الترك وشركياتهم .. وقلب الولاء والبراء على رأسه أو لمصالح وطنية يقف مع الكافر على المسلم وكما قلت الولاء يتجزأ ويزيد وينقص ولو فُهمت هذه لاستراح المرء .

وأذكر من المضحكات ما حصل ٢٠٠٨ في غزة نصر الله أهلها وخلص قدسها أن قام نقاش بين مجموعة شباب فنقم بعضهم على حماس بادرت بالهجوم وهم في حال ضعف وقامت أخرى محامية لحماس والطرف الأول يأخذ تبريره شماعة للغض من طرف حماس وإلا هم يرونهم من الإخوان ..

وهؤلاء بينهم وبين الإخوان خصومة لا تنتهي إلا تحت الرمال فعلمت أن التبريرات شيء والدوافع شيء آخر وما أُتي هؤلاء إلا من جهة اعتقادهم في الأنظمة الحالية اعتقاد الولاية الشرعية فهم ينافحون عنهم ويجعلون معيار الأخوة بينهم وبين المسلمين هو اعتقادك في هؤلاء الحكام ..

وإن غدا لناظره لقريب حين يواجه المهدي هذه الأنظمة فما هم فاعلون ..؟! إما انهيار اعتقادهم البائس أو أخرى الله عليم بها .. اللهم اجعلنا من أولي الأيدي والأبصار .

بقلم: سائح في الوجود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم المعلومات حول فيروس كورونا (COVID-19)

فيروس كورونا هو الأقل وحشية : 10 من أسوأ الأوبئة في التاريخ