أحاديث المرأة… أين الخلل؟

في كتاب فتاة الضباب:
 قامت مجموعة من الباحثات والمتخصصات في أبواب الشريعة بالرد بأسلوب مبسط، وتوضيح ما يستشكل على الناس فهمه فيما يتعلق بالأحاديث التي يستخدمها بعض المتشككين للتدليس على الناس، والطعن في مكانة المرأة في الاسلام.

ألخّص ما قرأته بالرد على السؤال الوارد في غلاف الكتاب:
أحاديث المرأة؛ أين الخلل؟
وقد تبيّن لي أن الخلل ناشئ عن أحد خمس نقاط:

١-نقل النص من سياقه إلى سياق آخر مغاير تمامًا:

كما في حديث: "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها"
فخيانة حواء لآدم ليس المقصود بها المعنى المتبادر للذهن من خيانة العلاقة الزوجية لأنه لم تخن امرأة نبي نبيًا قط بهذا المعنى، فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام كانت خيانة في الدين والإيمان وعدم التصديق بالرسالة ودفع المحذور.

وكانت خيانة أمنا حواء لأبينا آدم عليه السلام  -كما ذكر العلماء ومنهم ابن الجوزي رحمه الله- هي ترك النصيحة له في أمر الشجرة. وكذا أي زوجة تتوانى عن نصح زوجها تعد خائنة بهذا المعنى لا سواه. فهي خيانة المبدأ لا خيانة النسب  والفراش كما قد يفهم البعض.

٢-عدم فهم أساليب العرب في اللغة كأسلوب التشبيه:

فلا بد من فهم عناصر التشبيه ولا سيما وجه الشبه الذي ذُكر التشبيه في سياقه، كما في حديث: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتُدبر في صورة شيطان…"
فوجه الشبه هنا في التأثير والوصف الذي يتلبّس به الشخص، مما يشابه خصال الشيطان في الفتنة والإغواء والوسوسة.

وكذلك جاء التشبيه بالشيطان للرجل وليس مقتصرًا  على المرأة كما في حديث:
"إذا صلى أحدُكم إلى شيءٍ يسترُه من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يدَيْه فليدفَعْه، فإن أبى فليُقاتِله، فإنما هو شيطان."
فالذم موجهًا للفعل لا إلى الذات، لغرض التنفير من الفعل!

٣-التوظيف الخطأ والإقحام الذي لاصحة له عند الاستشهاد بالحديث:

فيستشهد البعض بحديث خلق المرأة من ضلع على سبيل الذم وأن خلق المرأة من ضلع أعوج يضفي عليها صفة من العوج السلوكي والعقلي…

صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا، فإنَّهنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلع أعلاه، فإنْ ذَهبتَ تُقِيمه كَسَرْتَه، وإنْ تركْتَه لم يزلْ أعوج، فاستوصُوا بالنِّساء خيرًا"

فأولئك يجهلون مناسبة الحديث وأنه في سبيل التوصية بالنساء، وحسن التعامل معهن بالرفق واللين لا الانتقاص والتحقير.

وليس كل عوَج مذموم، بل لا تصلح المرأة لأداء وظيفتها إن لم يكن بها هذا العوَج في الطبع، من غلبة العاطفة على العقل، كالقوس لا يؤدي وظيفته حق أدائها إن لم يكن أعوجًا.

وإن كان العوَج صفة مذمومة في كل النساء، ودلالة على عدم رجاحة العقل والرأي والمشورة، فكيف نجد في السيرة مواقف أخذ فيها رسول الله ﷺ  برأي أم سلمة ومشورتها كما في صلح الحديبية، وقبل ذلك لجوؤه في شدته لخديجة رضي الله عنها … وهل يجهل ذو لب دور عائشة رضي الله عنها في رواية الحديث ونقله ورجوع الصحابة إليها للتأكد من صحة بعض الأحاديث!

ومثال آخر استشهادهم بحديث: ناقصات عقل ودين…
وفيه اقتطاع للنص من سياقه ولو أكملوا الحديث وتمعنوا فيه لأدركوا أنه على سبيل التعجب والمدح لا الذم…

"ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"

والدلالة في الحديث أن العقل هنا ليس بمعنى الذكاء أو الفطنة، فما ذُكر عن الرجل مقابل "نقصان عقل المرأة" كان "الحزم" لا كمال العقل… فالعقل والحزم يأتيان بمعنى واحد وهو الاحتراز في الأمور والجمع والضبط للرأي.

والمرأة رغم نقص حزمها تغلب الرجل الحازم، فما أعجب هذا التكوين، إن الغلبة ليست للأكمل، فكيف تغلب المرأة التي ينقصها الحزم وتأتيها أيام لا تصلي ولا تصوم فيها، الرجل الذي يتشدّق بكمالات الحزم والقوة…

ولا يجهل عاقل أنه لا أحد أقدر على سلب عقل الرجل وفتنته وإغوائه من المرأة…

٤-وجود خلل في إدراك أن الأحاديث منظومة متكاملة لا متعارضة، والنصوص شهود على كمال الشريعة ولا يستقيم أن نستبين الشهادة، ونطلق الحكم قبل استنطاق الشهود جميعًا.

ولنأخذ على سبيل المثال حديث رسول الله ﷺ :  "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار."

كيف نفهم ما المقصود بالشؤم في الحديث ونحن نعلم موقف الاسلام من الشؤم والطيرة؟ إن النصوص شهود على كمال الشريعة فلنستنطق بقية الشهود ونستبين المعنى.

الشؤم المقصود هو الضرر الواقع عن سوء التصرّف أو الفعل كسوء في الفرس أو سوء خُلق المرأة أو سوء الدار… ويؤكد هذا المعنى ما نُقل عن الإمام البخاري: شؤم الفرس إذا كان حرونا، وشؤم المرأة سوء خلقها، وشؤم الدار جارها.

فالمرأة ليست شؤما مطلقا في ذاتها، وإنما شؤمها في سوء خلقها، وهذا ما يدل عليه وصف رسول الله ﷺ  بأن خير متاع الدنيا المرأة إذا كانت صالحة، قال رسول الله ﷺ : الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة.

ويؤكد هذا المعنى ما رواه سعد بن أبي وقاص – رضِي الله عنه – عن رسول الله ﷺ  أنه قال: ((أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمَرْكَب الهنيء، وأربعٌ من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيِّق)).

٥-اختلاف لغتنا الدارجة عن اللغة العربية الفصحى الواردة في الأحاديث، أو لضيق فهمنا للمعاني التي تزخر بها اللغة العربية:

وهذا مثل ما ذُكر أعلاه في فهمنا لمعاني بعض الكلمات كالشؤم والخيانة والعقل، فنحمل الحديث جهلًا على ما نعرف من معنى دارج دون استقصاء وبحث في معاني الكلمة والمقصود منها.

هذا والله أعلم.

المرجع: كتاب فتاة الضباب الصادر عن مركز دلائل 

[zombify_post]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التجديد على مقاس الهوى بين علماء السلاطين وشيوخ النساوين

هل سوف تكون الانتخابات الرئاسية في سوريا شبيها بالتصويت على الدستور الروسي؟