إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا

إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا
إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا

الحمدلله رب العالمين ..

القول الثقيل هو الوحي .. والشريعة تتصف بالثقل وقت التنزيل ووقت العمل ووقت الجزاء فكانت عائشة رضي الله عنها تقول : إن كان رسول الله ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب بجرانها رواه أحمد .

يعني من ثقل الوحي تضع الناقة عنقها على الأرض وفي لفظ إن كادت لتُرضّ فخذ رسول الله يعني من نزول القرآن .

وهذا الثقل والمعاناة الحسية لوحي الرسالة دلالة على أنّ مفاتيح الأنوار والخيرات والبركات محجوزة عنها بالمشقة وهكذا جعل الله طبع الذخائر في الدنيا فلا ولادة إلا بعد ألم الحمل والوضع ولا ثمرة على شجرة إلا بعد صبر المدّة ومشقة الرعاية وكذلك في الآخرة تأتي بعد ألم الأهوال جوائز الكريم لوفوده المُسلمة له في دار الدنيا وهذا هو ثقل الجزاء ( وجزاهم بما صبروا جنّة وحريرا ) .

وما بين الثقلين يجيء ثقل العمل الذي يتطلب ديمومة المجاهدة والملاحظة والتيقظ للحرب الدائرة بينك وبين الشيطان وأدواته من الإنس والجن على هذه الأرض ومكافحتها بأقصى غاية ( إياك نعبد ) وهذه الغاية تستلزم عونا من الله تعالى ( وإياك نستعين ) .

هذا الثقل يكون لكل مسلم ويكون الثقل زائدا على فئة خاصة من المسلمين وهم ( حملة الوحي ) من طلاب علم ودعاة وأئمة وخطباء .. والثقل هذا ينبغي فيه أن تُستحضر المغارم فيه قبل المغانم .. يجب التنبه فيه إلى أن التعب والتضحية لهذا الوحي من لوازم حمله ما دمت سلكت خطى رسولك صلى الله عليه وآله وسلم .

لا تلتفت إلى مغانم المشيخة من تقبيل الرأس واحترام الغير ووجاهة الذات وطنانة الألقاب .. فمن التفت إلى مكاسب الوجاهة الشرعية حتما سيُقدّم التنازلات الشرعية لمصلحة الجمهور أو الظلمة أو لن يصبر على منه بدأ .. سيتحول سريعا ..

بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول البعثة على شيء واحد .. بايعوه على الجنة .. لم يُقدّم النبي لهم عرضا ومكاسب أرضية .. حتى يكون حمل القول الثقيل على قدر من الكفاءة والنصوع القلبي للآخرة .. بعد ذلك كانت من حسنات البَرّ عز وجل لهم أن آتاهم أجرهم في الدنيا قبل الآخرة لأن البَر لا يقطع برّه عن أحبابه بل يُطعمهم منه طرفا ليعرفوا ما أُخفي لهم ( والذين هاجروا من بعد ما ظُلموا لنبوئنّهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر )

رؤية المغانم الدنيوية لحملة الوحي وقصر اللحظ عليها يُولّد الهروب من المعارك الحقيقية التي تدور عليها رحى القرآن إلى الولوج في مسائل ذات أهمية أقل تحت غطاء شرعي وعلمي كحال من يقول الله ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) .. يهرع إلى ( التحذير من البدعة والمبتدعة ) ويحشد نصوص السلف في التحذير الذي له مقام معلوم وسياق خاص له فقهه وظرفه في وقت ( عولمة الحرب على الإسلام والمسلمين ) من جميع الأطياف على كافة الأصعدة .. ثم يتبجح ( نحن على ثغر ) ..

أو كمن يهرع إلى المفضول في وقت أداء الواجب بحجة ( الفتنة ) ويقتصر على بث العلم ( المسموح به ) لدى الظلمة ويسكت عن الباطل موهما نفسه أنه على ثغر .
ألا قاتل الله النفاق الذي أوصلك لهذه العماية ( وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون )

( وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) وما سلب العلم والفقه إلا بجناية القلب وأعظم الجناية في هذا الزمن استحسان زهرة الدنيا إلى درجة إيثارها على الآخرة وأبرز صوره التخذيل عن الجهاد وكرهه وعدم حركة النفس في تشويقها إليه ففي صحيح مسلم ( من مات ولم يغزُ ولم يُحدّث نفسه بالغزو مات على شُعبة من النفاق ) .

يا طُلاّب القول الثقيل إنّ لكم في رسول الله ( أسوة حسنة ) ولا تنظروا لأحد دونه إلا هو ففي سورة الأحزاب وأحداثها التي زلزلت قلوب المؤمنين جاءت الوصية باتخاذه أسوة حسنة ( لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) لأن من أساسيات اللحاق بالوراثة النبوية حصول البلاء وقت مصادمة الأعداء لله ولرسوله فلا أحد أثبت جدارة في الاقتداء من الرسول صلى الله عليه وسلم .

إنّ شرط التضحية والبلاء جزء مهم من طبيعة رسالة الوحي على حاميلها ومن عافاه الله فهذا فضل الله تعالى عليه وهذا البلاء وهذه التضحية لا يتقصدها المرء لكونها مقصودة مرادة لله تعالى وإنما عليه أن لا يُغيّب هذا العنصر القدري  لأنه يدفع قدرا من التنازلات الشرعية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أفضل خيارات للاستثمار 2020

أفضل خيارات للاستثمار 2020

( تفريق الصفوف لوحدة الأمة )

تفريق الصفوف لوحدة الأمة