في

يا نفس ما غرك بربك الكريم .. !

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ

كانت رحله قاسية، لم تؤنسه أرض ولم ترح قلبه الأسفار ..
لم يكن له يد في اختيار أيّ من تلك الرحال ..
وما زال يسير فيها بغير اختيار ..
كمسافر خرج دون أن يدري إلى أين الوجهة ..
كان يتأمل طريقه عندما كان واضحاً، وبعد رحله القاسية لم يعد يتأمل لماذا يختار تلك الرحال ..
ولا يدري متى ستنتهي ..
ولا أين ستكون الوجهة النهائية ..
إذن فهي “اختبار” .

هكذا أصبح يقينه ..
وعلى هذا عقد عزمه ..
وبهذا لملم زاد صبره ..
وفيه جمع شعث آلامه وطواها خلفه بعد كل رحلة ..
متهيأً لرحلته القادمة ومغامراته العظيمة التي تعلّمه وتربي نفسه بعد كل تجربة ..

كل فطرة في عاقل تدرك أن هذه الرحل هي “اختبار” ..
أما قلبه فكان في جنباته على اليقين بأن هذا الدرب هو الخير .. فما هو إلا لطف الله ومعيته ورحمته به تسير به بين تلك الأمواج.

دائماً ما كان يردد في نفسه سؤالاً يذيب الكبد ويلهب النفس:
لماذا الاغترار والإغراق في الإعراض .. ؟
ألهذا خلقك الله .. ؟ ولم التقاعس عن المقدور .. ؟
ماذا ستقول لخالقك غداً .. ؟

توقفت روحه على آية من آي القرآن، بتنبيه وزجر له عندما كان يظن بنفسه خيرا، ويحسب أن الحياة يسيرة تطوى هكذا بعد العظام التي تمر.. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}

كان كثيرا ما يختلي بنفسه، يجلس في جنبات الليل في أرض غرفته منكسرا باكياً لربه ينادي نفسه:
( يا نفس .. ما غركِ بربك الكريم؟)

تنزل السكينة في جوف الليل، يجلس في محرابه مغمض العينين يدعو ربه ويناديه .. وتتقاطر منه تلك الدموع .. وكفيه مثقلان بالذنب، يكاد لا يستطيع رفعهما من شدة ذنوبه ..
تزداد شهقات أنينه .. تغزر مدامعه ..
يكاد يهيم على وجه وهو يظنّ أنه في سكرات كسكرات الموت .. وهو يعلم أن سكرات الذنب عظيمة وأن نعيم الرحمة يذيبها بأمر الله ومعيته ..

وهو يدعي ويناجي تذكّر سؤاله لنفسه ..
( يا نفس ما غرك بربك الكريم ؟ )

قام إلى حاسوبه ودمعاته تفيض كسيل جارف مبللة لوحة المفاتيح، فتح أحد التفاسير وقرأ في تفسير الآية:
“هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب حيث قال: (الكريم) حتى يقول قائلهم غره كرمه بل المعنى في هذه الآية ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم أي العظيم حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق كما جاء في الحديث يقول الله يوم القيامة: “ابن آدم ما غرك بي؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟”.

قلب الصفحات يمنة ويسرة يكاد يغشى على روحه:
” بلغنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ؟ فقال: “غره جهله “.

” قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول غرني ستورك المرخاة.”

يا من غلا في العجب والتيه ..وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته ولم .. تخف غب معاصيه

تذكر تلك الحال التي كان يعيشها بعد كل ذنب، كان يظن الذنب يطوى ويمحى بركعتين ودعاء لا روح فيه ولا خشوع، لا يقين فيه ولا حسن ظن، حاله كحالة آلة تردد .. وهذا ما يقنع به إبليس النفس ويغويها به فتتساهل في الذنب كل مرة، ويُقضى الأمر فلا هي أحسنت فهم التوبة، ولا هي علمت ما الواجب.

نعم يا نفس ..
نعم يا نفس ..
(وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ)

لقد صدّقتِ ظن إبليس يا نفس ..
فحسبت الأمر هيناً، ولم تنظري إلى حال الصالحين مع الذنوب وكيف كانت خلواتهم وصلواتهم ومناجاتهم وعظيم الأمر في أنفسهم ..

عاد إلى محرابه والسكينة تتنزل في روحه ..
حتى غشي عليه من البكاء.

اللهم إنك قلت” أنا عند ظن عندي بي” وليس لنا ظن بك إلا خيرا طمعاً بعفوك ورحمتك ..
اللهم إنا نعوذ بك من الجهل والكبر والنفاق وسوء الظن، اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ونفس لا تدمع وجوارح لا تكون إليك..
اللهم ارزقنا الرضا والتسليم ولا تكلنا إلى أنفسنا أو إلى أحد من خلقك ..
اللهم أعنا أن لا تهون ذنوبنا في أنفسنا فيغرنا عفوك .. اللهم لا تغرنا بعفوك واجعلنا نتوب لك تمام التوبة والإنابة ..
اللهم أعنا على رضاك ووفقنا لما فيه السداد والرشاد والإخلاص في القول والعمل واجعل رحالنا إلى جنتك على هدي نبيك يا رحمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فتحُ القُسطنطينية

فتحُ القُسطنطينية ( قلعة الشيطان )